سيد محمد طنطاوي

270

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( فَصَدُّوا ) * الناس * ( عَنْ سَبِيلِ اللَّه ) * أي : عن دينه الحق ، وطريقه المستقيم . * ( فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ) * أي : فترتب على تسترهم خلف الأيمان الفاجرة ، وعلى صدهم غيرهم عن الحق ، أن أعد اللَّه - تعالى - لهم عذابا يهينهم ويذلهم . وقوله - سبحانه - : * ( لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ ولا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّه شَيْئاً . . . ) * رد على ما كانوا يزعمونه من أنهم لن يعذبوا ، لأنهم أكثر أموالا وأولادا من المؤمنين . قال القرطبي : « قال مقاتل : قال المنافقون إن محمدا يزعم أنه ينصر يوم القيامة لقد شقينا إذا فو اللَّه لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأولادنا وأموالنا إن كانت قيامة ، فنزلت » « 1 » . ومن المعروف أن عبد اللَّه بن أبي بن سلول - زعيم المنافقين - ، كان من أغنياء المدينة ، وكان يوطن نفسه على أن يكون رئيسا للمدينة قبيل - الإسلام ، وهو القائل - كما حكى القرآن عنه - : لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ . . . أي : أن هؤلاء المنافقين المتفاخرين بأموالهم وأولادهم ، لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئا من الغناء . * ( أُولئِكَ ) * المنافقون هم * ( أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) * خلودا أبديا ، ثم بين - سبحانه - حالهم يوم القيامة ، وأنهم سيكونون على مثل حالهم في الدنيا من الكذب والفجور . . فقال - تعالى - * ( يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّه جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَه كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ ، ويَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ ) * . أي : اذكر - أيها الرسول الكريم - يوم يبعث اللَّه - تعالى - هؤلاء المنافقين جميعا للحساب والجزاء « فيحلفون » للَّه - تعالى - في الآخرة بأنهم مسلمون « كما » كانوا « يحلفون لكم » في الدنيا بأنهم مسلمون . « ويحسبون » في الآخرة - لغبائهم وانطماس بصائرهم « أنهم » بسبب تلك الأيمان الفاجرة « على شيء » من جلب المنفعة أو دفع المضرة . أي يتوهمون في الآخرة أن هذه الأيمان قد تنفعهم في تخفيف شيء من العذاب عنهم . * ( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ ) * أي الذين بلغوا في الكذب حدا لا غاية وراءه . فأنت ترى أن الآية الكريمة قد بينت أن هؤلاء المنافقين في الدنيا ، قد بعثوا والنفاق ما زال في قلوبهم ، وسلوكهم القبيح لا يزال متلبسا بهم . فهم لم يكتفوا بكذبهم على المؤمنين في الدنيا ، بل وفي الآخرة - أيضا - يحلفون للَّه - تعالى - بأنهم كانوا مسلمين .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 17 ص 305 .